كادياتا مالك جالو : جوهرة اليسار في بلد اليمين

 

 

النائب في حزب “اتحاد قوى التقدم” المعارض كادياتا مالك ديالو هي واحدة من الأيادي الناعمة التي لها اظافر وقبضة قوية يخشاها النظام الحاكم في موريتانيا. تلك الأميرة الإفريقية التي سطعت في قبة البرلمان، وبحكم ظهورها كبرلمانية قوية باتت عرضة للانتقاد، ومشعلا للحرية في ذات الوقت. إنها تقف على الخط الفاصل بين معارضة الأنظمة التسلطية وبين تطرف اليمين الزنجي ضد العرب، وتعمل على تغذية المعارضة الصحيحة ضد الأنظمة وليس ضد الأعراق، لهذا احتفظت على الدوام بعلاقات حسنة مع غالبية النشطاء السياسيين في البلاد، وتمكنت من خوض تجربة خاصة، لتتحول الى إيقونة اليسار، في بلاد لا زالت القوة المحافظة المتزمتة، والتطرف العرقي يلعبان فيه دور المسيطر. في زمن الازمات، تتحول حياة هذه المرأة الى نشاط دائم، لديها عشرات الملفات لتعمل عليها، ولديها طموح للتغيير تعتقد انه بات قاب قوسين او أدنى من التحقق على ارض الواقع.. لديها الكثير من المطالب لانها “صوت الشعب”. الخميس 17 نوفمبر، كان لدينا موعد مع كادياتا، تتميز المرأة بوضوح في الرؤية يمكنها من تحديد الوضع الحرج الذي تمر به الأغلبية والمعارضة على حد سواء. كان عليها في نفس اليوم، ترتيب سفرية سياسية تحضيرا لمهرجانين في مديني أطار وأكجوجت لحزبها “اتحاد قوى التقدم” في (18-19 من الشهر الجاري) ولديها مؤتمر خاص لمنسقية المعارضة الموريتانية ليسلم محفوظ ولد بتاح رئيس حزب اللقاء الديمقراطي رئاسة المنسقية لرئيس حزب العدالة والمساواة والحرية با ممادو آلاصن. كان عليها ايضا كربة بيت وكأم ترتيب بعض الأمور العائلي. حيث ستترك بيتها وأبناءها لبعض الوقت، ومع ذلك كانت متعاونة جدا لإجراء دردشة صحفية وسط كل هذا الانشغالات.. وكانت ترد على عشرات المكالمات وهي تقود سيارة الـ “VX” في شوارع العاصمة نواكشوط التي ترتبط بها بعلاقة خاصة.. لقد ولدت البرلمانية السوداء في نفس العام الذي وضعوا فيه حجر الأساس لهذه المدينة الفتية. ولدت كادياتا عام 1959 في مدينة امبود بولاية غورغل في قرية بسيطة بين المزارعين،وقد علمها ذلك ان البشر يحصدون ما يزرعون، لذلك كانت دائما تحمل روح طفلة تربت بين الحقول، لها خيال اخضر مثل الغجريات.. شكل ذلك بداية تعلقها بالحلم الموريتاني، فقد شاهدت في حياتها السياسية المليئة بالأوقات الصعبة، خلاف ما شاهدت في طفولتها بمدرسة داخلية حيث كانت تنام وتصحو على أطفال الحراطين والبيضان والزنوج.. دون احساس بالفرق بسبب اللون او العرق “في ذلك الزمن كنا جميعا أبناء موريتانيا لا فرق بيننا، بعد ذلك راينا كثيرا من التطرف المحزن”. حصلت كادياتا على الباكلوريا في العلوم الطبيعية، وكانت دائما متفوقة، قبل ان تتخرج من مدرسة الأساتذة، يونيو 1983 حيث عملت لمدة 20 دون ان تتذكرها وزارة التربية. في بلادها، بترقية واحدة، رغم ان تعليم الأجيال كان قيمة روحية وعاطفية لا تتنازل عنه.. وقدمت فيها ما تستطيع من جهد.

89 جريمة إبادة للزنوج..فقط لأنهم سود

مع حصولها على الباكلوريا وجدت نفسها مناضلة قوية في رابطة ترقية اللغة البولارية في موريتانيا، كانت مع عشرات الشباب يحاولون التأكيد على أحقية اللغات الوطنية في ان تأخذ حظها من الاهتمام، وفي ذلك المناخ الذي تسيطر عليه الأحكام العسكرية المتعاقبة، كانت الحركات السرية ملجأ الناشطة الزنجية مع عشرات من ابناء جيلها التقدميين، كانوا يخوضون نضالا شريفا للاعتراف بكل الأطياف، كان هدفهم اعادة الاعتبار الى اللغات الوطنية، ومساواة الاعراق، التي لا فرق بينها وفق نص الدستور والشرائع السماوية وكل الرؤى التقدمية.. كان ذلك بوابتها للسياسة، التي أدمت قلبها اكثر من مرة، انه قلب يعبق بالحب.. بين ايادي لها مخاب مؤذية. مع زوجها المهندس السابق في شركات الاتصال، والنقابي حاليا في CGTM وأولادها الاربعة (بنتين وولدين) وبتعاون عائلة ريفية لها قلب كبير، تمكنت البرلمانية اليسارية من خوض تجربتها السياسية وإعطائها ما تستحق من وقت: (هنالك دائما في عائلتي الكبيرة من يهتم بشؤون البيت حين تشغلني السياسة، وزوجي متعاون وشجعني على العمل السياسي). عام 1989 كانت كادياتا مالك جلو فتاة في الثلاثين من العمر، حالمة بموريتانيا التي في المخيلة، أرض الصحراء الجميلة وأرض التعايش.. ولكن هنالك من اعتصر قلب تلك الأنثى وحول حياتها الى جحيم: نظام سياسي يدعم التطرف والقتل، يسلح بياض العين ضد سوادها، ويشجع القلم على اغتصاب الدواة، ورأت بأم عينيها كيف يقتل الزنوج بالمئات والآلاف، بسلاح البيض، لم تكن لدى من يموتون ويمثل بجثثهم أي انتماء سياسي، لم يكونوا ناشطين، كانوا فقط سودا، يتم قتلهم بدم بارد وترمى جثثهم في الشوارع والنفايات. وبدأ اليمين الزنجي في التطرف، كان ذلك ردة فعل على الموت، لكن كادياتا كانت تتيتم فعلا وتفقد الطمأنينة، كانت الشوفينية تعتصر قلبها مع هذا المأتم الكبير، فقدت أفكارها العزوبية التي كانت تنعكس على ملامح طرحها السياسي، لكنها كانت متمسكة بان العرب والزنوج هم ابناء ارض التعايش، كانت ترفض ان تساهم في تنمية لهجة التطرف والعرقية. ظلت تردد ان نظام معاوية ولد الطائع، كسر المحبة في القلوب، ولم تقبل يوما القول ان العرب يكرهون الزنوج، ظلت تكرر ان ما حصل ابادة جماعية وجريمة اخلاق بشرية، لكنها من فعل نظام سياسي متمرس في الجاهلية ومقتنع بمنطق القتل لتحويل البلد الى جحيم. جرح قلبها مرة اخرى، حيث لم يتردد اليمين الزنجي المتطرف في وصفها بالخيانة الى وقت قريب، لكنها كانت انثى قوية، قررت ان تخوض معركتها ضد الجاني الحقيقي، ضد نظام فتك بأبناء جلدته،ا دون ان يتحول كفاحها الى حقد ضد ابناء جلدة الرئيس وجنرالات الجيش، فكانت دائما تقف في نقطة مضيئة أصبحت فيما بعد خيارا حقيقيا لتيار من النخبة، يعتبر ابادة الزنوج جريمة، ويدين نظاما ولا يدين عرقا. تقول جوهرة اليسار: ( كان كثير من الزنوج يعتبر ان من يقف مع العرب او يتحاور معهم، في ذلك الوقت، هو خائن، كان ذلك تحديا في تجربتي لا أنساه. كان بعض العرب، فعلا، يعطون لهذا التفسير مبررات، حين يتعاملون من مراكز القرار بعنصرية مع الزنوج، لكن فعلا الجريمة ليست جريمة عرق، الجريمة جريمة نظام سياسي عسكري مريض، وكان لها بعدها، لقد زرعت الرعب بين الأعراق، دورنا كسياسيين هو تضميد تلك الجراح العميقة”. تعتقد كادياتا ان من بين كوارث 89 مشكلة المبعدين.. والمبعدون بالنسبة لها قسمان: 1- الذين تم ابعادهم قسرا الى السنغال وهؤلاء أزمتهم هي ان بعضهم عاد الى بلاده، مؤخرا، وفق خطة حكومية، غير منصفة، وهم اليوم محرومون من الحقوق، ولديهم مشاكل في الهوية، حتى ان المعلمين المبعدين تمت اعادة بعضهم الى وظيفته لكن بدون حقوق لمدة 20 عاما، يعني هذا ان يجد “العائد” ان من دخلوا معه في الوظيفة العمومية اصبحوا مدراء ورؤساء مصالح في حين انه لا يزال معلما بالدرجة الأولى، اما الذين لم يعودوا بعد فهم يقدرون بـ 5000 مواطن لا يزالون عالقين في المخيمات. 2- المبعدون في مالي، وهؤلاء لا تطرح قضيتهم بشكل دائم. مشكلتهم: انه اثناء احداث 89 شكلت الدولة ميليشيات مسلحة للقتل والنهب، في مناطق غيديماغا خصوصا، فهاجروا خوفا من الموت الى مالي، اليوم يقدر عددهم ما بين (10الى 12 الف مواطن بحسب إحصائيات مفوضية اللاجئين) والدولة تتجاهل قضيتهم.

انقلاب عزيز أعاد البلاد خطوات الى الخلف..

تعتقد البرلمانية ان مورتتانيا شهدت لحظة بالغة الأهمية عام 2005، حيث ان نظام اعلي ولد محمد فال الذي انهى فترى معاوية السوداء، أٌجبر من قبل المعارضة على انجاز فترته الانتقالية ديمقراطيةً، كما خلق حوارات سياسية كانت مرضية. لكن وصول محمد ولد عبد العزيز، كثامن رئيس لموريتانيا منذ الاستقلال، وسادس رئيس عسكري منذ إطاحته في انقلاب عسكري في 6 أغسطس 2008 بالرئيس محمد ولد الشيخ عبد الله، بعدما قام الأخير بإصدار قرار رئاسي بخلعه من رئاسة الحرس الرئاسي، لينتفض ضده، ويقوم بوضعه رهن الإقامة الجبرية، كان فعلا كارثة على البلاد وقد اعادها خطوات الى الخلف. انه بالنسبة لها، حاكم عسكري ديماغوجي، وصل عن طريق انتخابات غير مرضية 2007 و لاتزال المعارضة تتحدث عن ممارسة التزوير في انتخابه. وقد انقلب على قرار الاتحاد الافريقي والدستور الموريتاني وكل الأعراف الدولية التي تمنع الانقلابيين من الترشح. تعتقد كادياتا: “ان الرجل حول البلاد الى مصدر للكبت السياسي، ويحاول جاهدا تمرير القرارات ذات البعد الاقتصادي من خارج البرلمان، انه حكم يدفع النخبة في الحقيقة بان تفكر في التغيير الحقيقي، الذي يعيد الأمور الى نصابها الحقيقي”. (ان المعارضة مقصرة، دون تجاهل ان النظام يمنعها من لعب دورها الحقيقي، في البرلمان نجحنا في طرح القضايا، وينقصنا تاطير الجماهير في اتجاه التغيير، وطول النفس في النضال، ورئيس المنسقية الجديد عليه ان يقود المعارضة في هذا الاتجاه، لقد خسرت المعارضة وقتا في خلافاتها الداخلية، وان كان الرئيس القديم قد انشغل في ترتيب خلافات بين الاحزاب، ومحاولة ان لا نخسر حزبا، فان الرئيس الجديد يرث معارضة تمتلك رؤية واضحة وشبه قطيعة مع النظام العسكري الذي حول البلاد الى حكم الجنرالات، الأمور واضحة الان، المعارضة الحقيقية تميزت عن الذين اخرطوا في حوار غير ذي ضمانات، بقي ان نوحد البيت من الداخل وننطلق في عملية تحريك الشارع ضد النظام الديكتاتوري”. بالنسبة لكادياتا يجب ان تكون هنالك خطة نضالية, وفق الأساليب الشرعية، تتضمن تعبئة الجماهير والمطالبة بالحقوق والمشاكل المطروحة، خاصة في عام الجفاف هذا 2011 الذي حاولت الحكومة التكتم عليه قبل ان تصبح البلاد على فوهة الخراب.

العنصرية لعنة..

في طريقها للنضال لا تنسى ان كثيرا من الموريتانيين شرب الكأس التي سقتها له الانظمة التسلطية على مر السنين، والتي هدفها الضرب، بعمق في المجتمع لخلق خلافات وصراع بين مكوناته المجتمع. (لا زلت كنائب في البرلمان اعاني من العنصرية، رغم ان الكثيرين في مراكز القرار يعرفون من اكون، ورغم انني ابرز بطاقتي بشكل دائم، هنالك من يمارس العنصرية ضدي ويعرقل عملي، اذا كان هذا يحصل معي، فماذا يحصل مع المواطنين الزنوج البسطاء؟! انهم بلا شك يواجهون المتاعب).

المصدر / تقدمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *